موقع الدكتور جمال نصار


الملل أعلى مراحل السلطوية

الكاتب : كتاب الموقع السبت 26 ديسمبر 2015 الساعة 12:35 مساءً

عمرو حمزاوي

هذه فكرة لا أساس علمى لها، ولم أعثر على كتابات أكاديمية جادة تتناولها. إلا أنها تلح على كثيرا هذه الأيام.

هل يمكن أن تسقط نظم الاستبداد وأن تنهار الحكومات السلطوية بسبب الملل الذى يصطنعه القمع ويحدثه الظلم فى نفوس الأغلبيات الشعبية، بعد اعتيادهم القهر والخوف واليأس؟

●●●

كثيرا ما يرتبط صعود المستبدين والحكام الأفراد بلحظات تأييد شعبى جارف: 1. هزيمة عسكرية يستتبعها بحث مجتمعى شامل عن بطل منقذ. 2. أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تزج بالناس إلى الوقوف وراء ديماجوجيين بضاعتهم الوحيدة هى حديث المؤامرات ووعود الإنجازات القادمة. 3. تماهى الأغلبية الشعبية مع إيديولوجيات فاشية، واستسلامها لوهم «الخلاص» القادم ما أن يتراص الناس ككتلة واحدة مؤيدة للقادة الفاشيين من مدنيين وعسكريين وللمشاركة فى هيستيريا نزع الإنسانية عن المعارضين ومعاقبتهم جماعيا. 4. أحزاب شمولية ومؤسسات عسكرية وأجهزة أمنية تمارس عبر وسائط متنوعة تزييفا منظما لوعى الأغلبية، وتنجح فى إقناعها بضرورة القمع لضمان الأمن والاستقرار، وتحملها على قبول مقايضة حق المواطن الأصيل فى الأمن والاستقرار بحقه الأصيل أيضا فى الحرية. 5. حروب أهلية أو صراعات عنيفة بين هويات دينية ومذهبية وعرقية تحمل فى الكثير من الأحيان بعض المجموعات الشعبية على مناصرة اضطهاد مجموعات أخرى، وإلى التأييد الصارخ أحيانا والصامت فى أحيان أخرى لحكم مستبدين لا يتورعون عن ارتكاب جرائم تصفية وقتل جماعى على الهوية. 6. فشل أو تعثر عمليات الانتقال الديمقراطى واستبعاد النخب التى قادتها من إدارة شئون الحكم والسلطة فى سياق أزمات حادة وصراعات مجتمعية مفتوحة، ومن ثم الارتداد العكسى إلى منظومات استبداد وسلطوية تؤيدها قطاعات شعبية واسعة طلبا «للإنقاذ» الوطنى.

غير أن نظم الاستبداد والحكومات السلطوية عادة ما تدرك أن لحظات التأييد الشعبى الجارف مآلها الانتهاء السريع. ولذلك تعمد إلى الحفاظ على احتكارها لمواقع الحكم والثروة عبر السير فى مسارين متوازيين. أولهما يستميل الأغلبيات بوعود الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية القادمة، وبتطبيق بعض السياسات العامة التى تستهدف إما تحسين ظروف الناس المعيشية أو على الأقل إيقاف تدهورها، وبإنتاج خطاب رسمى يعلن انحياز الحكام إلى الطبقات - الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، والتزامهم بمصالحها فى مواجهة جشع وفساد الأغنياء والميسورين. أما ثانى هذه المسارات فهو «بناء وتطوير» القدرات القمعية للحكم بحيث تصبح البدائل الآمنة للمواطن هى تأييد المستبدين أو الرفض الصامت أو الانسحاب والعزوف عن الشأن العام، وبحيث يمكن تنفيذ ممارسات الضبط والتعقب الأمنى للمعارضين الفعليين والمحتملين بغض النظر عن مواقعهم المجتمعية من شباب وطلاب وعمال إلى حركات معارضة نخبوية.

●●●

بين هذين المسارين، وعلى هوامشهما يتواصل جنون «الخلاص القادم» وهيستيريا «الإنقاذ الوطنى»، تستنزف نظم الاستبداد والحكومات السلطوية مواردها. فتتصاعد بانتظام المخصصات المالية الموجهة لسياسات عامة كالدعم وضبط الأسعار والنشاط الاقتصادى للقطاعات الحكومية، وترتفع كلفة «المشروعات الكبرى» التى كثيرا ما يعلن عنها دون دراسات علمية جادة، وتتضخم موازنات الأجهزة الأمنية. وعلى الرغم من أن شيئا من التقدم الاقتصادى والاجتماعى قد يسجل فى مراحل «ما بعد لحظات التأييد الشعبى الجارف» وقد تستقر نسبيا وضعية «الصبر المجتمعى» التى تدفع الناس إلى مواصلة التعلق بوعود الرخاء القادم ورفض البحث الجماعى عن بدائل للانعتاق من الاستبداد والسلطوية، إلا أن عوامل غياب الحرية وشيوع القمع وانهيار الأطر القانونية المنوط بها الحماية الفعالة لحقوق الأفراد وملكيتهم الخاصة ومبادراتهم الفردية، تحول دون حدوث تقدم اقتصادى واجتماعى مستقر، وتقضى على فرص التنمية المجتمعية المستدامة.

هنا، وبحسابات واقعية تدفعها غريزة البقاء فى مواقع الحكم والثروة، تنتقل نظم الاستبداد والحكومات السلطوية إلى اعتماد شبه أحادى على القدرات القمعية، وعلى ممارسات الضبط والتعقب الأمنى التى يتجاوز نطاقها المعارضين الفعليين والمحتملين ويتسع ليشمل عموم الناس. يتحول القمع إلى عقيدة رسمية، وتسيطر على الحكام «بارانويا الأخطار الخفية والمؤامرات السرية»، وتقصى الأجهزة الأمنية «ومؤسسات نظامية أخرى» جميع منافسيها بعيدا عن دوائر الحكم وتستتبع السلطات العامة وتفرض على النخب الاقتصادية والمالية شراكة الربح نظير التأييد والحماية نظير الامتناع عن المعارضة. وفى المقابل، يتراجع إطلاق وعود الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية القادمة، ويغيب بالكامل خطاب «الخلاص» الذى ارتبط بلحظات التأييد الشعبى للمستبدين.

هنا، أيضا، تزول قدرة قطاعات شعبية واسعة على مواصلة التعلق بوضعية «الصبر المجتمعى»، وتنعدم فرص تجاهلها لحقائق القمع والظلم وممارسات الضبط والتعقب الأمنى التى تفرض بؤسها على حياة الناس اليومية. وبينما يستدعى طغيان المكون القمعى بين معارضى نظم الاستبداد والحكومات السلطوية العديد من ردود الأفعال المتنوعة، من المواجهة المفتوحة إلى الارتحال بعيدا عن الوطن؛ يدخل القمع الأغلبية الشعبية فى حالة ممتدة من ترقب القهر والشعور بالخوف واليأس من إمكانيات تغيير إيجابى. أما الأجهزة الأمنية، والحكم من ورائها، فقد تفسر هذه التحولات إما كدليل بين على «نجاح القمع» الذى دفع الناس إلى «الاستكانة» أو كنتيجة مباشرة «لاستراتيجيات خطيرة ومؤامرات سرية جديدة» لأعداء الحكم يتعين مواجهتها؛ وفى التفسيرين يصبح استمرار القمع السياسة الوحيدة الممكنة.

●●●

عند هذه المرحلة، على الأرجح، يضرب الملل مفاصل نظم الاستبداد والحكومات السلطوية. فممارسة المزيد من القمع والضبط والتعقب الأمنى لا تحتاج أبدا إلى «إبداع» من قبل الحكام، والرتابة المرتبطة بتحول ذلك إلى الجوهر الوحيد لإدارة شئون الحكم وللسيطرة على المواطن يصعب التقليل من تداعياتها. ينصرف الناس بوتائر متسارعة عن المستبدين، وتبتعد قطاعات شعبية واسعة عن الشأن العام، ويخيم العزوف على المجتمع بعد أن غاب خطاب «الخلاص» واختفت وعود «الإنجازات القادمة» وفقدت أحاديث المؤامرات السرية «حلاوة السرد» بسبب كثرة اجترارها وخسر القمع الكثير من «جاذبيته المريضة» بعد أن صار أمرا اعتياديا. عند هذه المرحلة، على الأرجح، تبدأ معاول هدم منظومات الاستبداد والسلطوية فى العمل وتزج بالمجتمعات مجددا إلى عمليات انتقال تتواكب بها العناصر المكررة والمستنسخة من عمليات الانتقال السابقة مع غير المسبوق من فرص وتحديات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلا عن الشروق المصرية

عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي