موقع الدكتور جمال نصار


وأخيرًا ... انتهت حالة الطوارئ

الكاتب : د.جمال نصار الثلاثاء 05 يونيو 2012 الساعة 02:32 مساءً

عاش الشعب المصري لفترات طويلة في حالة طوارئ على مدار أكثر من ستين عامًا دون أي مبرر قوي يدفع إلى ذلك، إلا لحماية الحاكم بأمره وتبريرًا لسلوكه المناهض لشعبه وحصاره، ولم تجرّ على هذا الشعب إلا كل الخزي والعار، وإعطاء الفرصة لأصحاب المصالح في وزارة الداخلية بكل أفرادها، والنظام البائد لإهانة وابتزاز كل المعارضين بحجة صيانة الأمن العام.

لقد عاش الشعب المصري كله في سجن كبير بسبب استمرار حالة الطوارئ طوال هذه الفترة وخصوصًا في الثلاثين عامًا الأخيرة، وعانى الشعب المصري كله بكل أطيافه وفصائله، وأبرز مثال على ذلك ما عانته جماعة الإخوان المسلمين جرّاء هذا القانون، فقد تم اعتقال حوالي 32 ألف شخص من جماعة الإخوان المسلمين، وإغلاق 1400 شركة خاصة بالأفراد، وإتلاف أكثر من 800 سيارة مملوكة لأشخاص محسوبين على الجماعة، ومنع 3200 من السفر، واستبعاد 11 ألف من العمل في الوظائف المختلفة. ناهيكم عن حصار كل الأحزاب السياسية والقوى المختلفة في مقاراتها.

على أن ثمة ظاهرة نراها حينما طبقت حالة الطوارئ فنجد أنها عصفت تشريعاتها بكل ضمانات الحريات العامة والشخصية المنصوص عليها فى الدستور، وأطلقت يد السلطة التنفيذية فأصبح تحقيق الأمن والنظام مكفولا للحاكم العسكرى بدلا من السلطات المدنية وأصبحت له سلطة التشريع بإصدار ما يسمى بالأوامر العسكرية أو أوامر الطوارئ التى تفرض على مخالفتها عقوبات تصل إلى الأشغال الشاقة، وتقيم قوانين الطوارئ أنواعًا من قضاء الطوارئ يفتقر إلى ضمانات الحيدة والاستقلال، وتتوسع فى اختصاص القضاء العسكرى فى زمن الطوارئ وتفرض قيودًا بالغة القسوة على حرية الرأى والتعبير.

وكانت المرة الأولى التى أعلنت فيها الأحكام العرفية بعد الاستقلال فى أول سبتمبر سنة 1939 بعد نشوب الحرب العالمية الثانية بمقتضى القانون رقم 15 لسنة 1923 وانتهاء الحرب انهيت الأحكام العرفية فى أكتوبر سنة 1945 .

ثم أعلنت الأحكام العرفية ثانية فى مايو سنة 1943 بعد دخول الجيش المصرى فى حرب فلسطين ثم رفعت فى إبريل سنة 1950 فيما عدا محافظتى سيناء والبحر الأحمر.

وبعد أحداث حريق القاهرة أعلنت الأحكام العرفية فى 26 يناير سنة 1952 واستمرت أربع سنوات حيث قامت ثورة يوليو والأحكام العرفية معلنة ثم رفعت فى يونيو سنة 1956.

وأعيدت الأحكام العرفية فى نوفمبر سنة 1956 إثر العدوان الثلاثى على مصر وأنهى العمل بها فى مارس 1964 أى بعد قرابة ثمانية سنوات .

وبعد حرب يونيو 1967 أعلنت حالة الطوارئ واستمرت ثلاثة عشر عامًا حيث أنهيت فى 15 مايو سنة 1980 .

وإثر اغتيال الرئيس السادات أعيدت حالة الطوارئ فى السادس من أكتوبر سنة 1981 واستمرت تتجدد سنويا حتى إبريل 1988 ثم أصبحت بعد ذلك تتجدد لمدة ثلاث سنوات فجددت حتى عام 1991 ثم حتى عام 1994 ثم إلى سنة 1997 ثم حتى عام 2000 ثم إلى سنة 2003 .. وهكذا إلى أن انتهى العمل بها يوم الخميس 31/5/2012 .

وخلاصة التاريخ السياسى والقانونى لمصر منذ مطلع القرن العشرين أنه تاريخ للطوارئ تتحرر فيه السلطة التنفيذية من كل ضمانات دستورية تتعلق بالحقوق والحريات العامة وتتغول على اختصاصات كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية على حد سواء الأمر الذى يصبح معه الحديث عن ضمانات الحقوق والحريات والفصل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة من قبيل الصياغات الفقهية التى تتهددها سلطات الطوارئ المفرطة.

إن التقييم المنصف لحالة الطوارئ فى تاريخ مصر الحديث يثبت أنها على ما اقترفته من اغتيال حقوق وحريات الأفراد لم تنجح فى تحقيق الغرض منها وهى كفالة الأمن والاستقرار للمواطنين. فقد عانت مصر فى الثمانينيات من حوادث الإرهاب والعنف المسلح فى ظل إعلان حالة الطوارئ. ولم تنجح مصر فى الحد من وحشية الإرهاب وتقليم مخالبه إلا بفضل جهود المثقفين الوطنيين وكافة القوى السياسية التى أعلنت رفضها لها ووقوفها فى مواجهتها. عاشت مصر حرة. 

عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي