موقع الدكتور جمال نصار


بين شعبين ورئيسين

الكاتب : د.جمال نصار الخميس 28 يوليو 2016 الساعة 09:46 صباحاً

يطيب للبعض – بقصد أو بدون قصد-  أن يعقد مقارنة بين الرئيس أردوغان والرئيس مرسي في طريقة إدارة كل منهما للدولة والأحداث التي جدّت لهما، وخصوصًا بعد الانقلاب الفاشل في تركيا في الخامس عشر من يوليو/تموز2016، وهذه المقارنة في تقديري تحتاج إلى كثير من التمييز، فثمت فوارق بينهما في عدة أمور منها:

أولاً: أصبح محمد مرسي رئيسًا لمصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير من العام 2011، وبعد حوالي عام ونصف من حكم المجلس العسكري، إلى أن تم الانقلاب عليه من وزير دفاعه عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو/تموز 2013،  بعد سنة واحدة فقط من الحكم، وهذا يدل على أن التجربة الديمقراطية المصرية تاريخيًا قصيرة، وغير متجذرة بشكل كاف في الوعي العام والمؤسسي. في المقابل نجد أن نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية التركي لم تتم بين عشية وضحاها، بل هي تتويج لمسار طويل من التجريب والصراع والتهميش، ومن الخطأ أن نفصل هذه التجربة السياسية عما سبقها من محاولات ثرية، لا سيما تجربة الزعيم نجم الدين أربكان عبر مختلف الأحزاب التي أسسها منذ عام 1970 وتم منعها، بدءًا من حزب النظام الوطني، مرورًا بحزب السلامة الوطني وحزب الرفاه الإسلامي، وصولاً إلى حزب الفضيلة الذي تأسس في ديسمبر 1998، إلى أن تم حظره في يونيو 2001، وبعد ذلك تمّ تأسيس حزب العدالة والتنمية في 2001، الذي اقتحم الحياة السياسية في البلاد بشكل كاسح منذ 2002 في مختلف الانتخابات البلدية والتشريعية. من هذا المنطلق، يظهر أن التجربة السياسية الإسلامية في تركيا ليست وليدة اليوم، وإنما تبلورت عبر حوالي نصف قرن من المحاولة والإخفاق والحظر والمتابعة، لذلك فإن النجاح السياسي الذي يحققه اليوم حزب العدالة والتنمية على شتى الصُعد ليس شكليًا ولا آنيًا، وإنما يتجذر بشكل عميق في الوعي الجمعي والمؤسسي التركي.

ثانيًا: الفارق الجوهري والكبير بين الشعبين، فالشعب المصري نتاج أكثر من 60 عام للحكم العسكري الفاسد، الذي سيطر على مقاليد الحكم بالسيطرة الأمنية، وتزوير الانتخابات، بينما الواقع التركي لا يعرف ثقافة التزوير حتى مع الانقلابات العسكرية المتوالية، كما أن نسبة الأمية في مصر أكثر من 40 % ، والشعب يعاني من الجهل والفقر، ويقوم الإعلام بأكبر عملية تشويه ممنهجة لوعيهم وإدراكهم، بينما الشعب التركي يمتلك واحدة من أعلى نسب التعليم العالي في العالم، وأسرعها في مضاعفة مخصصات البحوث والدراسات العلمية، ولديه 150 ألف باحث علمي و6 جامعات من أفضل 500 جامعة في العالم ، كما ذاقوا ويلات 4 انقلابات عسكرية من قبل(1960/ 1971/ 1980 /1997)، ويعلمون جيدًا مساويء الانقلابات العسكرية على وضعهم الاقتصادي، والإعلام لا يستطيع أن يُغيّر قناعات الناس بسهولة، والتيار الإسلامي التركي استفاد من مناخ شبه الديموقراطي، خلافًا لما شهدته مصر طيلة حكم العسكر، مما عزّز لدى الإسلاميين الأتراك الميول المدنيّة، بدلاً من الاعتماد على تحريك الشارع فقط، كما فعل إخوان مصر، بخاصّة بعد ثورة 25 يناير ووصول مرسي للرئاسة، وإعلانه الدستوري في نوفمبر 2012 الذي نجم عنه ردود أفعال عنيفة معارضة له.

ثالثًا: التباين الواضح في المواقف السياسية والشعبية من الرئيسين؛ ففي تركيا نجد أن المواقف السياسية والإعلامية التي تم تسجيلها على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة كانت تصبُّ كلها في هدف واحد، وهو حماية الوطن التركي الذي يحتضن كل أبنائه بمختلف معتقداتهم وأطيافهم وألوانهم، وقد بدا جليًا للعيان والأذهان أن المجتمع التركي بعلمانييه وإسلامييه، بإعلامييه ومفكريه، برجاله ونسائه، بكل مكوناته عبّر عن دعمه الكامل للرئيس أردوغان وللتجربة الديمقراطية، ووقف كتلة واحدة كالبنيان المرصوص أمام محاولة الانقلاب. على العكس من تعامل الفرقاء السياسيين مع الرئيس مرسي، فكان أول ما فكّر فيه هؤلاء هو تصفية الحسابات القديمة فيما بينهم، وعدم حماية مصلحة الوطن وحقوق الشعب، فانقلبوا على الديمقراطية قبل أن ينقلب العسكر عليها، بل إن بعض الإسلاميين ممن شاركوه في المرجعية الإسلامية نفسها، سارعوا قبل غيرهم من بعض العلمانيين والقوميين والاشتراكيين إلى مباركة الانقلاب والارتماء في أحضانه، تمثل ذلك في حزب النور، وبعض القيادات الدينية، ناهيكم عن تأييد مؤسستي الأزهر والكنيسة للانقلاب.

رابعًا: حضور الحس الوطني والديمقرطي في الوعي الشعبي والرسمي التركي، فتركيا تمكنت من تحقيق دولة المؤسسات لا الأشخاص، كما هو الحادث في مصر، وهذا يشكل طورًا مفصليًا في تقدّم الأمم المعاصرة؛ حيث يصبح المواطن العادي يتعامل مع المؤسسة على أساس سياسة القرب والدمقرطة وتوزيع الفرص وثقافة التبادل، في حين ما زال يهيمن على المؤسسات في مصر، الأشخاص، ولا يمكن للمواطن العادي الولوج إلى مؤسسة معينة، وقضاء مصالحه الإدارية أو الصحية أو التعليمية أو المهنية أو القضائية إلا عبر المعرفة الشخصية التي ترسخ آفة الرشوة وثقافة المجاملة وسياسة الريع، بالإضافة إلى استخدام العسكر لورقة الطائفية (الصراع بين المسلمين والأقباط) لتفريق المجتمع المصري وشقه لنصفين، بينما لم يحدث ذلك في تركيا.

خامسًا: حكومة أردوغان، دخلت في مواجهة مع الجيش والمحكمة الدستوريّة، بعد وصولها للحكم، بست سنوات، وأرسلوا كوادرهم إلى مؤسسة الجيش والشرطة والقضاء، تمهيدًا لإيصالهم لمناصب عليا، فيما يشبه التحضير المبرمج والطويل الأمد، بينما دخل الرئيس مرسي في صراع مباشر ومكشوف مع القضاء والمؤسسة العسكريّة، فور وصوله لرئاسة الجمهوريّة، بفترة وجيزة، ولم يكن للإخوان كوادر وموالين بشكل واضح في مؤسسة الجيش والأمن المصريّة، والقضاء. وبالرغم من امتلاك الإخوان في مصر لمؤسسات اقتصاديّة وإعلاميّة، إلا أنها كانت ضعيفة ولا تصل لقوة ما يمتلكه إسلاميو تركيا من اقتصاد وإعلام، بل كان للإعلام دور بارز في الانقلاب على مرسي وتشويه صورته وشيطنته، على العكس من الإعلام في تركيا.

سادسًا: إسلاميو تركيا يجيدون فن إدارة الحكم، لخبراتهم في مؤسسات الدولة وخصوصًا في البلديات، التي أثبتوا من خلالها نجاحًا باهرًا، كان له أكبر الأثر في تعاطف الشعب التركي معهم، وكان أردوغان رئيسًا لبلدية اسطنبول. على العكس تمامًا ممّا حدث في  مصر، فلم يكن للإخوان خبرة كافية في المحليات بسبب هيمنة الحزب الوطني عليها قبل الثورة وبعدها وانتشار الفساد فيها، وعدم بروز شخصية مرسي كسياسي بشكل واضح، إلا في برلمان (2000 – 2005). وبالرغم من وصول الإخوان إلى مجلسي الشعب والشورى أكثر من مرة، إلا أنه لم يكن تأثيرهم في الشارع كما فعل العدالة والتنمية في البلديات، وكذلك استطاع الحزب الحاكم في تركيا من بناء تحالفات إقليمية ودولية مكّنته من التعامل مع الأحداث بشكل مختلف عمّا قام به حزب الحرية العدالة في مصر، الذي لم يمكث في الحكم إلا عامًا واحدًا.  كانت هذه أهم أسباب نجاح الانقلاب العسكري في مصر، وفشله في تركيا.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، عدم وقوع أخطاء هنا أو هناك، ولكن الأهمّ هو الاعتراف بهذه الأخطاء ومواجهتها، والسعي الدؤوب لإنهاء حالة الانقسام بين قوى الثورة، والتوافق على المشتركات، لإنهاء الانقلاب الغاشم في مصر. 

عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي