حتى لا ننسى .. دور إمارة أبوظبي في دعم الثورات المضادة

لا يخفى على أحد ما تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة ضد رغبة الشعوب العربية في الانعتاق من الاستبداد الذي جثم على صدورها لفترات طويلة، وتبذل كل الجهود في دعم الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية، ونشر الفوضى في ربوع العالم العربي، ولم يدّخر محمد بن زايد جهدًا في السعي بكل الوسائل لزعزعة استقرار تلك الدول، والعمل على خلق حالة من العداء للتيار الإسلامي؛ الذي ساهم بشكل أو بآخر في مجابهة الفساد والاستبداد.

لقد دعمت إمارة أبوظبي مُبكرًا قوى الثورة المضادة في مصر وليبيا واليمن، علي سبيل المثال، من خلال الأذرع المالية والأمنية والعسكرية والسياسية للأنظمة التي ضربتها أمواج الثورات، حيث آوت عددًا هائلًا من القيادات التابعة للنظام القديم بدول الثورات العربية، وشكّلت بشكل سريع غرف عمليات معقّدة لإجهاض تلك الثورات وضرب المسارات الانتقالية، وإعادة المنظومات القديمة إلى سدة الحكم.

بل شرع محمد بن زايد بكل ما يمتلك من قوة في السنوات الأخيرة لإجهاض تلك الثورات، من خلال تدعيم صفوف قادة الثورات  المضادة، حيث سُربت في عام 2017 وثيقة إماراتية تسعى لتشكيل كتلة سياسية موالية لدولة الإمارات عن طريق دعم شخصيات سياسية، وأحزاب، ومنظمات، ووسائل إعلام معارضة للإسلام السياسي، وذلك بالاستفادة من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد بعد الثورة، حسب ما ذكرته قناة الجزيرة، في وقت سابق.

ولم يقتصر المشهد على دعم التجارب الانقلابية، بل تجاوزها إلى ضرب خطوط إمداد الثورات سواء ماديًا أو إعلاميًا أو سياسيًا؛ بدعم حرب الانقلابات على الأنظمة والقوى الداعمة للثورات، سواء خليجيًا عبر حصار قطر، والعمل على تغيير نظام الحكم فيها بالتآمر العلني، أو عبر العداء الصريح لدولة تركيا، بدعم انقلاب تموز الفاشل في العام 2016 بمليارات الدولارات.

دعم الانقلاب العسكري في مصر

كانت البداية بالتخطيط للانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر، بدعم السيسي للانقلاب على الرئيس المنتخب، وتقديم العون لكل أشكال المعارضة للرئيس مرسي، لزيادة القلاقل، وعدم الاستقرار، حتى لا يتمكن من بسط نفوذه أو السيطرة على قيادة الدولة المصرية، وكان الدعم الواضح، ولا يزال، للإعلام الذي خلق صورة ذهنية لدى عموم الشعب المصري بفشل تجربة الإسلاميين في قيادة مصر، مع إفراز حركات شبابية تواجه النظام المنتخب من خلال نموذج (تمرد) الذي قام شبابها المدعوم من الإمارات بجمع آلاف التوقيعات لرفض الرئيس المنتخب.

ودعمت الإمارات عبد الفتاح السيسي سياسيًا وماليًا وإعلاميًا بعد توليه الرئاسة، وحصلت على امتيازات اقتصادية كبيرة، وعملت على تشويه صورة مرسي، وتلميع صورة السيسي على أنه رجل المرحلة في مناهجها الدراسية، وعبر القنوات الإعلامية.

وأدى ذلك في النهاية إلى تدمير أول نموذج للحكم المدني الديمقراطي في مصر، بسجن الرئيس المنتخب محمد مرسي، وإحلال الحاكم العسكري الانقلابي مكانه، وسط بركة كبيرة من دماء المصريين وأشلائهم المحترقة في ساحات الحرس الجمهوري، والمنصة، ورابعة، والنهضة، وغيرها من أماكن عديدة في محافظات مصر.

الدعم اللوجستي لميليشيا حفتر في ليبيا

في منتصف فبراير/شباط عام 2011 انتفض الشعب الليبي في وجه العقيد معمر القذافي، وتمكنوا من قتله بعد 8 شهور تقريبًا، واستمرت حالة اللاستقرار في ليبيا بعد سقوط النظام السابق، حيث تصدّر اللواء المتقاعد خليفة حفتر المشهد الليبي بدعم مصري إماراتي للقضاء على الجماعات الإسلامية المتنامية هناك، فقد أرسلوا طائرات تجسس وسيارات دفع رباعي، وشاركوا بالقصف الجوي عبر الطائرات، وقامت الإمارات بمساعدة السعودية بنقل 195 آلية (يبك_آب) قتالية إلى طبرق لصالح حفتر، كما دعمته بطائرات عمودية هجومية من طراز (إم آي 24 بي) بيلاروسة التصنيع، بالإضافة إلى تطوير قاعدة الخادم "الخروبة" جنوب المرج بتزويدها بالطائرات وبناء حظائر لها.

ومن شأن استمرار تدفق السلاح إلى ليبيا وخرق الحظر الأممي، إطالة أمد الحرب، وإبقاء ليبيا فريسة لحالة الفوضى والانقسام.  

إن الدور المشبوه الذي تلعبه إمارة أبوظبي يرمي إلى تدمير ليبيا، وتحويلها إلى منطقة صراع دائم، وتفكيك نسيجها الاجتماعي، فبالإضافة إلى الدعم السياسي والعسكري لحفتر في ليبيا، استحدثت أبوظبي أساليب جديدة، واستخدموا أسلحة غير مألوفة لدى العرب، على رأسها "شراء الذمم والضمائر"، والتي باتت إحدى محددات السياسة الخارجية الإماراتية، حدث ذلك مع الوسيط الدولي الذي عمل في ليبيا لسنوات "برنارد ليون".

تآمرها على الشعب السوري

حينما وصل قطار الثورات العربية إلى سوريا في 15مارس/آذار عام 2011، ثار الشعب السوري على نظام بشار، وسيطر الثوار خلال سنتين على أكثر من نصف مساحة سوريا، لكن لم يسعد السوريون بإزاحة هذا النظام الذي ارتكب العديد من المجازر في حقه، فقام الاحتلال الروسي بالتدخل إلى جانب نظام بشار بتمويل إماراتي خوفًا من سقوط سوريا بيد الثوار، حيث ذكرت تقارير إعلامية عديدة عن دفع الإمارات تكاليف التدخل العسكري الروسي في سوريا، كما أنها متهمة بمسؤوليتها عن اغتيال العديد من قادة الفصائل، وكانت الإمارات أول دولة تعيد فتح سفارتها في دمشق منذ بداية الثورة، وفتحت أبوابها لأقارب النظام المجرم.

لقد وقفت الإمارات ضد النظام سياسيًا، لكنها بقيت معه ومع حلفائه اقتصاديًا؛ حيث خاض أبناء زايد حربهم في سوريا كجزء من صراعهم الإقليمي على المنطقة، ضد أعدائهم الواضحين: "الثورات العربية"، وما يطلق عليه "الإسلام السياسي"، وضمن شبكاتها السياسية والعسكرية الممتدة، التي يجلس في منتصفها سمسارها وعرّابها محمد دحلان. 

السيطرة من خلال خلق الفوضى في اليمن

تدخّل التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن عام 2015 بعد سيطرة ميليشيا "الحوثي" على صنعاء بحجة دعم الشرعية، حيث شكلت الإمارات مليشيات موالية لها في الجنوب اليمني، وحرّضت على الانفصال عن الشمال طمعًا بالموانئ والموقع المهم للجنوب، وأنشأت شبكة من السجون السرية داخل اليمن، واتهمت "هيومن رايتس ووتش" بعض الميليشيات المدعومة من قبل الإمارات كقوات الحزام الأمني، وقوات النخبة الحضرمية باعتقال وإخفاء حوالي 38 شخصًا قسرًا، بالإضافة إلى تصفية عدد كبير من قيادات حزب التجمع للإصلاح في اليمن.

ومن الواضح أن الإمارات جاءت إلى اليمن منذ البداية بأجندة احتلالية واضحة، لتحتل المحافظات الجنوبية وتخلق واقعًا جيوسياسيًا جديدًا، وتعبر عن حالها كإمبراطورية إقليمية تريد أن تفرض نفسها وهيمنتها العسكرية على هذا الجزء المهم من اليمن. وبذلك ستتمكن الإمارات من تأمين خطوط التجارة عبر ميناء عدن الجنوبي نحو باقي أنحاء العالم، إلى جانب استغلال الموارد الطبيعية في اليمن، وبسط الهيمنة على المنطقة.

العبث بالمشهد التونسي

تمثل تونس مهد الثورات العربية، التي قدّمت نموذجًا عالميًا في قدرة القوة الشعبية السلمية على إسقاط رأس النظام الاستبدادي وتهديد بقية النماذج. هذه الرمزية الثورية التونسية تجعل من هذا النموذج هدفًا رمزيًا في وعي الثورة المضادة، وعقلها الانقلابي.

ولعل هذا من أهم الأسباب التي جعلت غرف العمليات الإماراتية تراهن بقوة على وأد التجربة التونسية، خاصة بعد نجاحها في نسف الثورة المصرية. فدعمت الإمارات كل أذرع الدولة العميقة في تونس إعلاميًا وسياسيًا وماليًا؛ ونجحت إعلاميًا في تأسيس شبكة مهمة من الصحف والقنوات والإذاعات والمواقع الإلكترونية، التي تدعمها بشكل مباشر عبر مجموعة من رجال الأعمال، وبالتمويلات التي لم تعد تخفى على أحد.

ولم تكتف إمارة أبوظبي بذلك بل سارعت إلى شيطنة الفصيل الإسلامي في تونس، وسعت، ولا تزال، إلى تدمير تجربة التوافق في أعلى هرم السلطة، كما تعمل جاهدة بكل الوسائل على إفشال التجربة التونسية، وإيقاف كل ما له علاقة بالثورات العربية.

موقفها من احتجاجات السودان والجزائر

شهد السودان منذ 19 ديسمبر/كانون الأول عام 2018، احتجاجات مندّدة بتدهور الأوضاع المعيشية عمّت عدة مدن بينها العاصمة الخرطوم، ولا زالت مستمرة حتى الآن.

هذا الحراك أزعج إمارة أبوظبي، فهي لا تزال بحاجة إلى البشير، فأدواره بالنسبة إليها لم تنته بعد، حيث دعمها في اليمن، ولعل زيارته الأخيرة إلى دمشق تندرج ضمن الأدوار التي يُراد للبشير أن يلعبها، لإعادة صياغة المشهد السياسي في المنطقة، وهذا ما تريده الإمارات في هذه الآونة.

وقد صرّح البشير (المخلوع) نفسه في أكثر من موقف بدعم الإمارات له اقتصاديًا، حيث قال: "هناك ترتيبات لتوفير الوقود عبر الموارد المحلية وبدعم من الإمارات العربية المتحدة". وعلى ذلك ربما يستمر دعم الإمارات للسودان اقتصاديًا حتى لا تفقد دور البشير في المنطقة.

وفي الجزائر انطلق نقاش حول تدخل إماراتي في الاحتجاجات الجزائرية بعد لقاءٍ بين الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي، والفريق أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الجزائري في فبراير/شباط 2019، وتزامن اللقاء مع تصاعد الاحتجاجات، مما أثار جدلًا عبر مواقع التواصل حول دور الإمارات في تأجيج الفوضى في الشارع الجزائري، وتسربت معلومات في وسائل الإعلام حول تشكيل غرفة عمليات على مستوى رفيع من الإمارات، والسعودية، وفرنسا لمتابعة الشأن الجزائري.

وبدأ النقاش يظهر في لافتات الشارع الجزائري، كُتب عليها عبارات تهاجم الإمارات منها "تسقط الإمارات"، و"لا للإمارات في بلد الشهداء".

أقول: من الملاحظ أن حكومة الإمارات، اتخذت مسلكًا معاديًا لشعوب المنطقة، ووقفت عائقًا أمام تحقيق تطلعاته التي يصبو إليها من حرية، وكرامة، وعدالة اجتماعية، وأنفقت مليارات الدولارات في دعم الثورة المضادة في المنطقة العربية.

على الرغم من ذلك فسوف تقف الشعوب الحيّة اليقظة بكل حزم ضد هذه المؤامرات، وسوف تنقشع الغمة قريبًا، وستدور الدائرة على الباغي.

 


جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير شركة الحلول المتكاملة
ps-egypt.com